دراسات وأبحاث

قبسات من درر العارفين (14)

 دة. ربيعة سحنون    

 باحثة بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة

   صُنِّف كلام الصوفية ضمن السهل الممتنع، الذي لا يسبر غوره ويدرك مغزاه إلا أهله، العارفين والصالحين الواصلين، عبروا به عن مواجيدهم وأحوالهم، تكلموا بعد أن ذاقوا حلاوة القرب والوصال، واستشعروا لذة السير والسلوك في طريق الحق رب العالمين جل وعلا، ففتح سبحانه مغاليق قلوبهم، ومكّنهم الباري تعالى من ناصية القول، فعبَّر كُلٌّ على حسب مقامه والوارد عليه من تجليات ونفحات.

    كانت أحوالهم وأقوالهم وكراماتهم ومقاماتهم دررا ولآلئ ونجوما يهتدي السائرون إلى طريق الحق بنورها، تكلموا في آداب السلوك، وبينوا كيفية الدخول إلى حضرة ملك الملوك، جلّ في علاه، غاصوا في خبايا النفس البشرية، فخبروا داءها ودواءها، عالجوها بالفكر وبالذكر، فترقّتِ الأرواح وارْتقت، متخلقة بالأخلاق المحمدية، ومتأسية بأحسن الفضائل وأرقاها وأحبّها إلى الباري جلت قدرته.

    ولضرورة الاقتداء والاهتداء بسِيرَ الصالحين وأقوالهم، ستضم هذه السلسلة قبسات من درر العارفين، والأولياء والصالحين، حتى نقف على كلامهم، ونُحَصِّل الإفادة المرجوة من سَيْرِهم وبلوغهم أرقى المقامات وأسماها.

 14) الشيخ الأجل والقدوة الأدل: محمد بن المختار الكنتي (ت1242)

ممّا أدب به مريديه وأصحابه، قطفنا هذه اللآلئ من فتوحاته رحمة الله عليه:

    * فاعلم أن الأهم من العلوم ما كان متعلقه أهم، ومعلومه أشرف، وأعظم وأشرف المعلومات على الإطلاق هو الله تعالى، فمعرفته أشرف المعارف، والعلم بحقوقه وما يجب له أشرف العلوم، وما سوى ذلك من العلوم فإنما شرف بكونه معرفة أفعاله، ومعرفة الطريق التي تقرب إليه، والأمر الذي معرفته تحصل بها الدلالة عليه، وكل معرفة خارجة عن ذلك فليس لها كبير شرف ولا عظيم رتبة. 

    وحيث كان الأهم معرفة الله، ولا سبيل إليها إلا بتهذيب النفس، كان الأهم تهذيبها، بنسخ أوصافها الدنيئة، وصقل البصيرة التي هي عين القلب المدركة للمعقولات والمعنويات، كما أن البصر عين القالب ومحل إدراك المحسوسات من المباني وأعراضها الوجودية. وصقال مرآتها من صدأ الأغيار إنما يكون بإمرار شخصية الأذكار الممدودة بالأفكار على سطح مرآة البصيرة، التي غطى سوادها رَيْنَ الأكدار، وحجاب الأوزار، بعد تصحيح التوبة، وتنقيح الأوبة، بالرجوع من الأفعال المذمومة إلى الأفعال المحمودة، ومن الأحوال القبيحة إلى الأحوال الرضية الصحيحة، حتى إذا زال ما على مرآة عين البصيرة من الأكدار والأغيار، تأهلت لانطباع ما يقابلها من لوائح الأنوار الواردة بغرر المعارف والأسرار[1].

    • وحسبك من العلم، العلم بالوحدانية، ومن العمل العمل بمحبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبة الصحابة، واعتقاد الحق للجماعة، وإن أردت أن يكون لك ما لأولياء الله تعالى الصالحين، فعليك برفض الناس جملة، إلا ما يدلك على مولاك تبارك وتعالى، بإشارة صادقة، أو بأعمال ثابتة، لا يناقضها كتاب ولا سنة، فارفع همتك إلى مولاك، واشتغل به عن غيره...، فمن العز الذي أعز الله به المؤمن رفع همته إلى مولاه وثقته به عما سواه، واستح من الله أن تكون بعدما كساك حلة الإيمان، وزينك بزينة العرفان، أن تستولي عليك الغفلة والنسيان، حتى تميل إلى الأكوان، وتخلد إلى ذكر العشائر والأوطان، ولتذكر قوله تبارك وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، [سورة المائدة، آية 1]، ومن العقود التي عاقدته عليها الاكتفاء به والانقطاع إليه، ورفع الهمة عن الخلق توكلا عليه، وذلك هو ميزان المريد الصادق، ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾، [سورة الرحمن، آية 9]، فيظهر المريد الصادق بصدقه، والمدعي بكذبه...[2].

    • وسبيل المريد إلى الوصول إلى تهذيب النفس إنما يكون بتقديم الافتقار والالتجاء والرغبة إلى مولاه في أن يعينه ويقويه على أمر نفسه، ويسهل عليه طريق سلوكه، ويستعمل هذا في كل وقت وحين، وليجعله عمدته فيما هو بصدده...، فعمل الظاهر إن كان واجبا فليبادر إلى فعله، ولا يتوانى عنه، وليقم بجميع آدابه اللازمة له، ويلتحق بذلك ما كان مندوبا إليه، إذا علم في أي مرتبة هو. وإنما اشترطنا هذا الشرط، لأن المندوبات التي تعترضه يحتاج فيها إلى تقديم الأولى فالأولى، والأهم فالأهم منها، فإن لم يعمل على هذا وقدم ما ليس بأهم كان متبعا للهوى لا لموجب العلم، وليأخذ في ذلك بالقصد من غير إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير...[3].

    • ثم إن الإرث المحمدي لما كان لكثرة أعبائه وتنوعات فنونه، وتشعبات شجونه، لا يمكن حمله بجملته وعلى وجهه وبكيفيته وكميته غير روح صاحب الشريعة المقدسة النزيهة، وجسده المقوى المقدس من علق الشيطان، وفضل كثائف الحيوان، وبقايا أخلاط هيولا الإنسان، توزع الموروث بين الوارثين، فأخذ أهل الظاهر ظاهرهم، وأخذ أهل الباطن باطنهم، فإرث كل أحد على قدر نوره، ونوره على قدر فتحه، وفتحه على قدر صفاء قلبه، وصفاء قلبه على قدر معرفته بربه، ومعرفته بربه على قدر ما سبق له من وجود حبه. غير أن علماء الباطن أحق بالإرث وأولى، وأقرب نسبا وأعلى؛ لأن علمهم تلزمه الخشية، وتكشفه العظمة، وحقيقة الإرث أن ينتقل الموروث إلى الوارث على الصفة التي كان بها عند الموروث عنه، فكل صاحب علم لا خشية له، فليس بأهل لأن يكون وارثا[4].

    • ولا شك أن النفوس تختلف باختلاف جبلاتها، فمنها ما الغالب عليه الزكاء، ومنها ما الغالب عليه الدناءة، وكل ذلك جبلات جبلت النفوس عليها، ولا يمكن العدول عنها إلى أضدادها إلا بالأمور التي تشق على النفوس من رياضة ومجاهدة وغير ذلك. ومنشأ ذلك أن الله تعالى خلق نفس الإنسان من صفاء صفوة النور، وأحلها مكانا مكينا، وألبسها أثواب الطهارة والزكاء، ثم أهبطها من مكانها ونقلها من قرارها، وأودعها قارورة الجسم حكمة آدمية قدرها وقضاها، ليبلونا أينا أحسن عملا، فيفوز بالفلاح من زكاها، ويبوء بالخيبة من دساها، وجعل بين الجسم والنفس تعلقا عجيبا وارتباطا غريبا، لولاه لم يستقر قرارها فيه، للمضادة التي بينهما، وبذلك التعلق والارتباط تحلت النفس من كثافة الجسم بأوصاف، وتحلى الجسم أيضا من لطافة النفس بأوصاف، لكن النفس أشد انفعالا لمقتضيات الجسم، وأكثر اتصافا بأوصافه، لبعدها عن عالمها، وقربه من عالمه، والطبع يسرق من الطبع القريب المجاور...[5].

    • كيفية السلوك إلى الله تعالى الإقبال عليه في السر والعلانية، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرضا عن الله في السراء والضراء، والاعتماد عليه في العسر واليسر، والتفويض إليه في القبض والبسط، واللجأ إليه في المنشط والمكسل، والعمل له بالليل والنهار، وإخلاص النية في الأقوال والأعمال والأحوال، والنصيحة للخلق في الرضا والغضب، والتجافي عن الدنيا في اليسار والإقتار، والرغبة في الآخرة ببذل الأنفاس واللحظات، واتهام النفس في الحركات والسكنات، والتضييق عليها في ارتكاب الشهوات والمألوفات، ومحاسبتها على الماضي والآت، ورعايتها في جميع الساعات، وتصفيتها وتزكيتها من الدسائس والكدرات، ومراعاة الأوقات بالآداب والمعاملات، ورعاية الأعمال من الرياء والمبطلات، وصيانة الأحوال من الآفات والتصنعات، وتحمل الكُلَف في إنقاذ الأمة من المهاوي والمهلكات...[6].    

الهوامش

 

 

[1] جُنّة المُريد دون المَريد، محمد بن المختار الكنتي (ت1242ﮬ/1826م)، دراسة وتحقيق: محمد المهداوي، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، وجدة، المغرب، د.ط، 1433ﮬ/2012م، (سلسلة مأثورات السلوك -2-)، 2/ 215.

[2] المصدر السابق، 2/ 256-257.

[3] نفسه، 2/ 271-272. 

[4] نفسه، 2/ 357-358.

[5] نفسه، 2 /424-425.

[6] نفسه، 2/ 453.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

شروح دلائل الخيرات (4)

    من مظاهر الاهتمام بدلائل الخيرات ما وضع حوله من شروح وحواش وتعليقات...تختلف حجما ومنهجا وهدفا، فمنها ما قصد به إفادة المريدين والعامة، وتقريب النص إليهم. ومنها ما صنف لطلبة العلم، إلا أن كثيرا من الشروح لم يصلنا منها إلا الاسم أو وصلت منها نسخ كثيرة البتر والخروم تصعب الاستفادة منها.

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

شروح دلائل الخيرات (4)

نفحات روحية من السيرة النبوية (12)

نفحات روحية من السيرة النبوية (11)

قبسات من درر العارفين (18)

شروح دلائل الخيرات (3)

قبسات من درر العارفين (17)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









نفحات روحية من السيرة النبوية: 12 الخير والبركة في قصة رضاع النبي صلى الله عليه وسلم

    كانت من عادة العرب أن تلتمس الرضعاء لأبنائها لما فيه من الفوائد الصحية والنفسية والشخصية على الرضيع، فهي تقوي أجسامهم وتشتد أعصابهم، وحصنا لهم من أمراض الحواضر، كما تجعلهم أكثر صفاء واتقادا، ويتقنوا اللسان العربي الفصيح في مهدهم.