دراسات وأبحاث

القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

د.محمد الهاطي

باحث بمركز الإمام الجنيد

   لله درُّ الشاعر عبد الله بن يوسف النجاري المالقي (تـــ 784هـ) لما أنشد أبياتا جميلة في حق القاضي عياض وكتابه الشفا يقول فيها:

وعياض الأعلى قداحا في العلى     منهم وحوله الفخار الأظهر

بشفــائه تشـــفى الصــدور وإنــه      لرشــــاد نــــار بالشِّهاب النَيِّر

هو للتوالف روح صورتها وقل      هو تاج مفرقها البهي الأنور

أفنت محاسنه المدائح مثل ما      لمعيده بــــعد الــــثناء الأعـطر

وله اليد البيضــــاء في تأليفه      عند الجمـــيع ففضـلها لا ينكر

هو مورد الِهيم العِطاش هفت    بهم أشواقهم فاعتاض منه المصدر

فبه ننال من الرضى ما نبتغي     وبكونه فينا نغــاث ونمطر[1]

    ولد عياض اليحصبي بسبتة سنة (476هـ)، في أسرة عُرفت بالعلم والفضل والورع والصلاح، حفظ القرآن، وتفقه  بمسقط رأسه على أبي عبد الله بن عيسى، ولازمه كثيرا للمناظرة عليه في المدونة والموطأ وسماع المصنفات، كما أخذ الفقه عن أبي إسحاق إبراهيم بن جعفر بن أحمد اللواتي المعروف بابن الفاسي، وعن الحسن بن علي التاهرتي وغيرهم ، ثم أجلس للشورى، ثم ولي قضاء سبتة مدة حمدت سيرته بها، ليشد الرحال إلى الأندلس، هناك أخذ عن طائفة أخرى من الشيوخ كالقاضي ابن حمدين، وابن سراج، وأبو الوليد بن رشد، و ابن الحاج، وغيرهم.

    وقد أجمع علماء المغرب والمشرق على سمو مكانة القاضي عياض في العلم والصلاح، فقد حاز من الرياسة في بلده، ومن الرفعة ما لم يصل إليه أحد قط من أهل سبتة، وما زاده ذلك إلا تواضعا وخشية لله.

    خلف -رحمه الله- تآليف عديدة ،كلها حسنة مفيدة، وصلنا بعضها وضاع البعض الآخر، ومنها "الترتيب" الذي يُعد أكبر موسوعة تتناول ترجمة رجال المذهب المالكي ورواة "الموطأ" وعلمائه، وكتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"  الذي هو واسطة القلادة، وبرنامج السعادة، رُزق من القبول ما قل نظيره، فطار صيته وانتشرت نسخه بين الناس شرقا وغربا، وعنه يقول أحمد المقري في كتابه " أزهار الرياض في أخبار عياض": "ولا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، أو وصف إعجاز القرآن؛ أن تلك نفحات ربانية، ومنحة صمدانية، خص الله بها هذا الإمام وحلاه بدرها النظيم"[2].

    توفي القاضي عياض –رحمه الله-  بمراكش عام 544 هـ، ودفن بداخل باب أيلان، وقبره يزار هناك إلى يوم الناس هذا.

الهوامش 

 

[1] الإحاطة في أخبار غرناطة، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب، تحقيق: يوسف علي الطويل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2003م، (3/ 342).

[2] أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، شهاب الدين أحمد بن محمد المقري، طبع تحت إشراف اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، 4/ 272.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

الإمام السهيلي الذي شغله العلم عن الغنى

عبد الله الغزواني دفين حومة القصور

قبسات من درر العارفين (14)

أدب الأذكار: روايات دلائل الخيرات للجزولي(1)

القاضي عياض الذي بشفائه تُشفى الصدور

تقرير حول الملتقى العالمي للتصوف: الدورة الثالثة عشرة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









عبد الله الغزواني دفين حومة القصور

    يقول ابن عسكر في دوحة الناشر: "ومنهم شيخ المشايخ، العارف بجلال الله وجماله، الداعي إلى حضرة الربوبية بجميع أقواله وأحواله، سيدي أبو محمد عبد الله بن عجال الغزواني. هذا الرجل آية من آيات الله في ملكه، وبهجته عند الأولياء وواسطة سلكه، عجز اللسان عن العبارة التي تُوفِي بحقه، وما هو إلا الإلمام بالإشارة إلى علو مجده. أصله من غزوان (...) قبيلة من العرب بالمغرب، ومن الناس من يجعله علويا. كان يتعلم العلم بفاس، فسمع بالشيخ أبي الحسن علي صالح الأندلسي، فذهب إليه...

الإمام السهيلي الذي شغله العلم عن الغنى

    هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن الخطيب الخَثعمي السُّهيلي الحافظ الإمام، والسُّهيلي نسبة إلى سُهَيْل، ولد بمدينة مالقة بالأندلس عام 508هـ، أصيب بمرض عضال ألم به وسنه لا يتجاوز سبع عشرة سنة فكفّ بصره.