دراسات وأبحاث

شروح دلائل الخيرات (2)

د. طارق العلمي

باحث بمركز الإمام الجنيد

من مظاهر الاهتمام بدلائل الخيرات ما وضع حوله من شروح وحواش وتعليقات، تختلف حجما ومنهجا وهدفا، فمنها ما قصد به إفادة المريدين والعامة، وتقريب النص إليهم. ومنها ما صنف لطلبة العلم، إلا أن كثيرا من الشروح لم يصلنا منها إلا الاسم، أو وصلت منها نسخ فريدة  كثيرة البتر والخروم، تصعب الاستفادة منها.

 1- تحفة الأخيار، ومعونة الأبرار، العاكفين على دلائل الخيرات وشوارق الأنوار[1].

لمحمد المهدي الفاسي[2]، المتوفى سنة تسع ومائة وألف. وهو ثالث العلماء من الأسرة الفاسية يشرحون الكتاب.

والمؤلف من أعلام الطريقة الجزولية كذلك، أخذ عن محمد بن محمد بن عبد الله بن معن الأندلسي، وأبي الفضل قاسم الخصاصي الفاسي، وهو حفيد أبي المحاسن الفاسي شيخ الطريقة في عصره.

ويتميز المؤلف بغزارة إنتاجه، وخاصة فيما يتصل بالطريقة الجزولية، فقد وضع تاريخا لها من خلال كبار أعلامها وتلامذتهم إلى عصره في كتابه ممتع الأسماع، وذيله بكتاب الإلماع ببعض من لم يذكر في ممتع الأسماع، وتحفة أهل الصديقية بأسانيد الطريقة الجزولية الزروقية، كما عرف بجده أبي المحاسن في كتابين هما: الجواهر الصافية، وروضة المحاسن الزاهية...

ووضع ثلاثة شروح على كتاب دلائل الخيرات، كبير ومتوسط وصغير. وقال عن تأليف شرحه الكبير تحفة الأخيار: "أما بعد، فقد كنت فيما مضى قيدت تقاييد وطررا على كتاب دلائل الخيرات...، ثم إني الآن خفت عليها الدثور والضياع، فيذهب ما عملت باطلا من غير جدوى ولا انتفاع، فانتدبت بجمعها في هذا التأليف، وزدت ما يسر الله تعالى مما حضرني من التصانيف".

ويرد سبب إقدامه على شرح الكتاب إلى عدم وجود شروح للكتاب يعتمد عليها، (ولم أر من تكلم على الكتاب المذكور ممن يعتد بكلامه، ويعول على مسطور أقلامه)، واستثنى من ذلك شرحي عبد الرحمان الفاسي، ومحمد العربي الفاسي، لأن الأول شديد الاختصار والإيجاز، والثاني ناقص لم يشرح فيه صاحبه إلا جزءا يسيرا من الكتاب.

فرغ المؤلف من تأليف «تحفة الأخيار» في السادس عشر من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وألف بفاس.

ويشعر المؤلف بصعوبة المهمة، ويردها إلى أربعة أسباب:

1) قلة الكتب والعلم، وقد سبق أن بررنا توقف محمد العربي الفاسي عن إتمام شرحه بعدم وجود كتب الحديث والسير.

2) ضعف الإدراك والفهم.

3) شغل اليد وتشتت البال بالتسبب واعتلال الجسم.

4) قوة ما احتوى عليه الكتاب من العلم والأسرار، وما كساه من طلاوة وأنوار، بحيث يعز الظفر بكل معانيه[3].

ومع ذلك يقدم على شرحه عسى أن يجد فيه العاكفون على قراءته بعض الفائدة، "... فأنا مع عدم القدرة إن ادعيت أو تعاطيت شرحه، فقد هجمت على عظيم، وتعرضت لأمر جسيم...، لكني أجمع ما لدي وما ساقه الله إلي، وإن ظهر لي مع ذلك شيء وحدي ذكرته ولم أكتمه عندي، سواء أخطأت في ذلك أو أصبت، إذ لعل ما سطرت من ذلك كله، وكتبت، لا يعدم منه نفعا من له على الكتاب عكوف، أن حصل له هذا إلمام ووقوف...، وسميته تحفة الأخيار"[4].

وقد استهل شرحه بسره أسماء الكتب المؤلفة في الصلاة والتسليم على الرسول، ويقوم شرحه على الاهتمام بالمعنى اللغوي وبيان إعراب الكلمة وموقعها في الجملة، مع الحرص على المقارنة بين نسخ الدلائل، وتفضيل رواية النسخة السهلية. كما يهتم بالتراكيب البلاغية ويشير إليها متى وقعت في الكتاب المشروح، ويخرج الأحاديث موردا أكبر عدد ممكن من المصادر التي تروي الحديث، ولا يكتفي كغيره من الشراح بذكر مصدر واحد.

من نماذج شرحه:

(اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد عدد النساء والرجال)

قدم النساء لأجل السجع، ولو أراد مراعاة السجع أيضا في الصلوات التي بعدها، لقدم بعد رضى نفسك، زنة عرشك، ثم بعده مداد كلماتك، ثم ملء أرضك على سماواتك بتقديم أرضك على سماواتك، لكن مراعاة السجع واستعماله وتكلفه، وخصوصا في الدعاء، نص الأئمة على كراهته وعدوه من المحدثات.

ونقل الشيخ أبو طالب في القوت في ذلك أحاديث، وأثار بعضها في البخاري، وبعضها في أبي داوود، إلا ما أوتيه عفوا، وساقه الطبع، وقذف به قوة الخاطر من غير تكلف ولا روية في اجتلابه، فلا بأس به، وقال في الإحياء: إن ما زاد على سجعتين فهو تكلف ينهى عنه...

(اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنجينا بها).

أي بسببها، وكذا يقدر في الأربع بعدها.

(من جميع الأهوال) جمع هول، وهو ما يخافه الإنسان ويفزعه ويعظم عليه.

(والآفات) جمع الآفة وهي العاهة وما يصيب الإنسان مما ينقص به دينه أو بدنه أو دنياه، وفسرت الآفة أيضا بعرض مفسد للمراد مغير له على حسب ما يعتريه.

(وتقضي لنا بها جميع الحاجات) هكذا في جل النسخ المعتمدة وفي بعض النسخ «وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات» بزيادة عندك، وهو في الفجر المنير. والمراد أعلى الدرجات التي تصلح لنا وتصح في حقنا. أو أن الكلام خرج مخرج المبالغة، وكذا القول في قوله بعده.

(وتبلغنا بها أقصى) أي أبعده.

(الغايات) جمع غاية وهي المدى والنهاية.

(من جميع الخيرات) الحسية والمعنوية.

(في الحياة) الدنيا.

(وبعد الممات) في البرزخ وما بعده[5].   

2- مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات[6].

لمحمد المهدي الفاسي السابق الذكر، وهو الشرح الموجز للكتاب، قال في مقدمته: "... وبعد، فقد كنت وضعت على دلائل الخيرات تقييدا كالشرح لمبانيه، والتفسير لمعانيه، جمعت فيه ما لدي من التقاييد والطرر، ونسقت ما حضرني من النصوص والفوائد والغرر، ثم استطاله غير واحد ورغبوا فيما هو أصغر منه، واجز في جمع الفوائد وتحرير المقاصد، وترك الزوائد، فاستعنت الله تعالى على هذا التقييد، مقتصرا فيه على ما لا بد منه من القدر المفيد، ومضيفا إليه بعض ما لم يكن في الأول تقرر...، وسميته مطالع المسرات"[7].

ومع ذلك، فقد جاء في مجلد كبير الحجم، يبلغ زهاء نصف الشرح المفصل:

- خصص ثلثه لشرح خطة الكتاب، والفصل الأول منه، وأسماء الرسول.

- والثلثين للفصل الثاني منه في كيفية الصلاة على النبي ﷺ.

- وذيله بشرح أسماء الله الحسنى وبعض الأدعية المستجابة.

ولم يكن يميل فيه إلى الاختصار، وإنما يعطي للمسائل التي يشرحها حقها، دون أن يصل إلى مستوى استطرادات «الشرح المفصل» التي كانت تبعده عن الموضوع المطروح. واهتم في مطالع المسرات بما يلي:

- اعتماد النسخة السهلية في سرد دلائل الخيرات، والمقارنة بين نصها ونصوص النسخ الأخرى التي كان يسميها (النسخ المعتمدة)، مع ترجيح رواية السهلي.

- يشرح الألفاظ شروحا لغوية مع الإشارة إلى موقعها الإعرابي، ويعتمد في أغلب الأحيان على القاموس، وشروح الألفية، ومغني ابن هشام، وخلافا لما هو الحال في الشرح المفصل، فسر المؤلف الكلمات الواضحة التي لا تحتاج إلى تفسير مثل: الفصل، النوم، الموت، الحياة...

- رد الصلوات المأثورة إلى أصولها وذكر أسمائها إن وجدت، واعتمد بالإضافة إلى كتب الحديث على الحصن الحصين، وأدعية البقري.

- الاستشهاد بالخطب والشعر.

- التطرق إلى الموضوعات والقضايا المطروحة لدى الصوفية: الظاهر، الباطن، الحقيقة، الشريعة، مراتب الصوفية مثل الأوتاد، الأبدال، والأقطاب، والعوالم الأربعة: الملك، الملكوت، الجبروت، عالم العزة، والمقامات...، ومن مصادره المعتمدة إحياء علوم الدين، قوت القلوب، رسالة القشيري...

- ولا يخلو الكتاب مع ميل مؤلفه إلى الاختصار من استطرادات، وخاصة في الموضوعات التالية: شرح أسماء الرسول، زوجاته وسراريه، أسماء الأنبياء والملائكة، الصلاة والتصلية ومعانيها وفضائلها الإيمان والإسلام...، ويعتمد في ذلك على كتب التفسير كتفسير ابن عرفة، والنسفي، والرازي، وابن عطية...، وكتب الحديث والسير السابقة الذكر، وتاريخ ابن عساكر وشروح المختصر....

- ولا يخلو الشرح كذلك من لمحات نقدية، يرد فيها المؤلف الأقوال غير الصحيحة في نظره، ويحاول تقويمها وإبداء الرأي فيها، وكان أبرزها في موضوعات التصلية والترحم والترضي واستعمال لفظ السيادة، وقد لاحظ أن الجزولي أخذ كثيرا مما جاء في مقدمة كتابه من كتاب المقدمات لأبي الوليد بن رشد[8].

هوامـــش

 

[1] نسخة تامة في مجلدين، وقع الفراغ من تسويده عام 1089 بفاس، ونسخ في 1143 هـ، رقم 11093 ز، خ، ح، مجدول، مسطرته 35، عدد كلمات كل سطر بين 17و20 كلمة. نسخة أخرى رقمها 17 ز،  نسخت سنة 1143 هـ. 

[2] ترجمته في النشر، 2 /160-162. ظ. حجرية، ومؤرخو الشرفاء، ص ص:  192-193.

[3] مقدمة تحفة الأخيار. 

[4] مقدمة تحفة الأخيار.  

[5] مقدمة تحفة الأخيار.   

[6] توجد منه عدة نسخ مخطوطة  خ.ع.ر. 547د، 1548د، 1652 ك، وثلاث نسخ بخزانة ابن يوسف، 41/1-2-3، والثانية أجودها، مجدولة ملونة واضحة الخط، عدد صفحاتها 609، كتبت سنة 1147هـ..

[7] مطالع المسرات، المقدمة، ص ص: 1-2. 

[8] مقتطف من كتاب مظاهر تأثير صوفية مراكش في التصوف المغربي لحسن جلاب، ص ص: 106-111.  



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية (15)

نفحات روحية من السيرة النبوية (14)

شروح دلائل الخيرات (6)

نفحات روحية من السيرة النبوية: (13)

شروح دلائل الخيرات (5)

شروح دلائل الخيرات (4)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









نفحات روحية من خلال السيرة النبوية 15 الحبيب صلى الله عليه وسلم وحاله مع جده عبد المطلب

بعد وفاة السيدة آمنة رضي الله عنها في الأبواء، عادت السيدة بركة الحبشية رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فكفله جده عبد المطلب، الذي رق له رقة لم يرقها لولد غيره، وكان عبد المطلب سيدا جليلا مهابا في قومه، و"كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام...

نفحات روحية من السيرة النبوية 14

    عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من ديار بني سعد، إلى حضن أمه، وموطن حنانه، سعيدا فرحا مؤيدا، ولما بلغ سنه صلى الله عليه وسلم السادسة حن أهل البيت الشريف إلى زيارة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم من بني عدي بن النجار، وكذا زيارة قبر