دراسات وأبحاث

نفحات روحية من خلال السيرة النبوية 15 الحبيب صلى الله عليه وسلم وحاله مع جده عبد المطلب

د. مصطفى بوزغيبة

بعد وفاة السيدة آمنة رضي الله عنها في الأبواء، عادت السيدة بركة الحبشية رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فكفله جده عبد المطلب، الذي رق له رقة لم يرقها لولد غيره، وكان عبد المطلب سيدا جليلا مهابا في قومه، و"كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر،[1] حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع".[2] كما أن عبد المطلب "لا يأكل طعاما إلا يقول: عليّ بابني، أي أحضروه، فإذا جاء أجلسه صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، وربما أقعده على فخذه، فيؤثره بأطيب طعامه".[3]

هكذا عاش النبي صلى الله عليه وسلم معززا مكرما من لدن جده عبد المطلب الذي أحبه محبة خاصة، وآثره بمعاملة خاصة لما يعلم من شأنه العظيم في المستقبل، إلا أن الحكمة الإلهية شاءت أن يموت جده بعد سنتين من كفالته له، وعمر النبي صلى الله عليه وسلم حينها ثماني سنوات، وقد ذكر العلماء الحكمة من قبض روح جده وقبله أبوه وأمه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزال صغيرا، وهي: أن لا يظن المرجفون الذين يشككون في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه "إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه، بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده، ولم لا؟ وإن جده عبد المطلب كان صدرا في قومه، فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية".[4]

وهناك حكمة أخرى وهي أن لا ينشأ النبي صلى الله عليه وسلم في نعيم المال والجاه والزعامة... فهي كلها متاع الدنيا الزائل، ومن الهمم الحاطة لمن يريد التوجه الخالص لله تعالى، خصوصا وأن النبي صلى الله عليه وسلم مقدم لدى جده، وكل أسباب المجد والفخر متجهة نحوه، فكل ذلك لم يتلبس به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا تختلط على الناس "قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني".[5]

كما يمكن استخلاص حكمة روحية أخرى وهي: كن مع الله في جميع أحوالك، كن مع الله في حركاتك وسكناتك، فإذا أخذ منك ما لم تتوقع ضياعه، فكن على يقين بأنه سوف يعطيك ما لم تتوقع أن تملكه يوما، وخير دليل على ذلك عناية الله تعالى بنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد أخذ منه أعز ما يملك، ليعطيه أغلى ما يوجد وهو القرب والأنس والمحبة، لذلك إذا صادفتك في الحياة أنواع شتى من المصائب والمتاعب فتذكر هذه الحكمة العظيمة، وتوجه بكليتك إلى الله، يقول صاحب الحكم العطائية: "ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلا، ولقد خسر من بغي عنك مُتحوَّلا".[6]

كما يمكن أن نستفيد بأن على السالك أن تكون همته عالية، ولا يصحب إلا من يكون له عونا وزادا في معالي الأمور، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان صغيرا يجلس في مجالس كبراء القوم، ولا يخفى على أحد ما لأهمية مجالسة من هم أكبر منا علما وتجربة وحكمة، فهي تزيدنا معرفة وحكمة وخيرا، وتعطينا معرفة الواقع الذي نعيشه، وكيفية استثماره في سبيل نشر الخير والمحبة والسلام.

الهوامش:

[1] جفر أي شديد قوي.

[2] السيرة النبوية، لابن هشام، 1/ 127.

[3] نفائس الدرر من أخبار سيد البشر، 1/ 168.

[4] فقه السيرة النبوية، البوطي، 45-46.

[5] فقه السيرة النبوية، البوطي، 46.

[6] الحكم العطائية والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله السكندري، صححها وعلق عليها: حسن السماحي سويدان، د، ط/ت. ص: 76.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جديد الدراسات والأبحاث

جديد الدراسات والأبحاث

نفحات روحية من السيرة النبوية (15)

نفحات روحية من السيرة النبوية (14)

شروح دلائل الخيرات (6)

نفحات روحية من السيرة النبوية: (13)

شروح دلائل الخيرات (5)

شروح دلائل الخيرات (4)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 









نفحات روحية من السيرة النبوية 14

    عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من ديار بني سعد، إلى حضن أمه، وموطن حنانه، سعيدا فرحا مؤيدا، ولما بلغ سنه صلى الله عليه وسلم السادسة حن أهل البيت الشريف إلى زيارة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم من بني عدي بن النجار، وكذا زيارة قبر 

شروح دلائل الخيرات (6)

    من مظاهر الاهتمام بدلائل الخيرات ما وضع حوله من شروح وحواش وتعليقات...تختلف حجما ومنهجا وهدفا، فمنها ما قصد به إفادة المريدين والعامة، وتقريب النص إليهم. ومنها ما صنف لطلبة العلم، إلا أن كثيرا من الشروح لم يصلنا منها إلا الاسم أو وصلت منها نسخ كثيرة البتر والخروم تصعب الاستفادة منها.